فخر الدين الرازي
224
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ثم قال تعالى : كَلَّا وفيه وجوه أحدها : أنه ردع لأبي جهل ومنع له عن نهيه عن عبادة اللّه تعالى وأمره بعبادة اللات وثانيها : كلا لن يصل أبو جهل إلى ما يقول إنه يقتل محمدا أو يطأ عنقه ، بل تلميذ محمد هو الذي يقتله ويطأ صدره وثالثها : قال مقاتل : كلا لا يعلم أن اللّه يرى وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بما يعلم فكأنه لا يعلم . ثم قال تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ أي عما هو فيه : لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ وفيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله : لَنَسْفَعاً وجوه أحدها : لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ، والسفع القبض على الشيء ، وجذبه بشدة ، وهو كقوله : فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ [ الرحمن : 41 ] وثانيها : السفع الضرب ، أي لنلطمن وجهه وثالثها : لنسودن وجهه ، قال الخليل : تقول للشيء إذا لفحته النار لفحا يسيرا يغير لون البشرة قد سفعته النار ، قال : والسفع ثلاثة أحجار يوضع عليها القدر سميت بذلك لسوادها ، قال : والسفعة سواد في الخدين . وبالجملة فتسويد الوجه علامة الإذلال والإهانة ورابعها : لنسمنه قال ابن عباس في قوله : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [ القلم : 16 ] إنه أبو جهل خامسها : لنذلنه . المسألة الثانية : قرى لنسفعن بالنون المشددة ، أي الفاعل لهذا الفعل هو اللّه والملائكة ، كما قال : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [ التحريم : 4 ] وقرأ ابن مسعود لأسعفن ، أي يقول اللّه تعالى يا محمد أنا الذي أتولى إهانته ، نظيره : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ [ الأنفال : 62 ] ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ [ الفتح : 4 ] . المسألة الثالثة : هذا السفع يحتمل أن يكون المراد منه إلى النار في الآخرة وأن يكون المراد منه في الدنيا ، وهذا أيضا على وجوه أحدها : ما روي أن أبا جهل لما قال : إن رأيته يصلي لأطأن عنقه ، فأنزل اللّه هذه السورة ، وأمره جبريل عليه السلام بأن يقرأ على أبي جهل ويخر للّه ساجدا في آخرها ففعل ، فعدا إليه أبو جهل ليطأ عنقه ، فلما دنا منه نكص على عقبيه راجعا ، فقيل له مالك ؟ قال : إن بيني وبينه فحلا فاغرا فاه لو مشيت إليه لالتقمني ، وقيل : كان جبريل وميكائيل عليهما السلام على كتفيه في صورة الأسد والثاني : أن يكون المراد يوم بدر فيكون ذلك بشارة بأنه تعالى يمكن المسلمين من ناصيته حتى يجرونه إلى القتل إذا عاد إلى النهي ، فلما عاد لا جرم مكنهم اللّه تعالى من ناصيته يوم بدر ، روي أنه لما نزلت سورة الرحمن علم القرآن قال عليه السلام لأصحابه من يقرؤها منكم على رؤساء قريش ، فتثاقلوا مخافة أذيتهم ، فقام ابن مسعود وقال : أنا يا رسول اللّه ، فأجلسه عليه السلام ، ثم قال : من يقرؤها عليهم فلم يقم إلا ابن مسعود ، ثم ثالثا كذلك إلى أن أذن له ، وكان عليه السلام يبقي عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر / جثته ، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة ، فافتتح قراءة السورة ، فقام أبو جهل فلطمه فشق أذنه وأدماه ، فانصرف وعيناه تدمع ، فلما رآه النبي عليه السلام رق قلبه وأطرق رأسه مغموما ، فإذا جبريل عليه السلام يجيء ضاحكا مستبشرا ، فقال : يا جبريل تضحك وابن مسعود يبكي ! فقال : ستعلم ، فلما ظهر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في المجاهدين ، فأخذ يطالع القتلى فإذا أبو جهل مصروع يخور ، فخاف أن تكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من بعيد